يحيي بن حمزة العلوي اليمني

50

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

شرطا معتبرا ولا يعول عليه ، ولو جاز ترك الإيجاز البليغ لأجل إفهام العوام لجاز ترك الألفاظ الفصيحة والإتيان في الكلام بالألفاظ العامية المألوفة عندهم ، فكما أن هذا ليس شرطا فهكذا ما ذكروه ولقد صدق من قال في هذا المعنى : على نحت القوافي من مقاطعها * وما علىّ إذا لم تفهم البقر وإنما الذي يجب مراعاته ويتوجه إليه قصده ، هو الإتيان بالألفاظ الوجيزة الفصيحة ، والتجنب للألفاظ الوحشية مع الوفاء في ذلك بالإبانة والإفصاح ، وسواء فهم العوام أم لم يفهموا ، فإنه لا عبرة بهم ولا اعتداد بأحوالهم ولا يضر الكلام الفصيح عدم فهمهم لمعناه ، ولهذا فإن نور الشمس إذا لم يره الأعمى لا يكون نقصا في وضوحه وجلائه ، وإنما النقص في بصر الأعمى حيث لم يدركه ، ولهذا فإن الله تعالى ما خاطب بفهم معاني كتابه الكريم إلا الأذكياء ، وأعرض عن البله من العوام وشبّههم في العمى والبلادة بالأنعام حيث قال : أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ( 179 ) [ الأعراف : 179 ] والتطويل نقيض الإيجاز ، وهو مخالف لجانب البلاغة ، وبمعزل عن مقاصد الفصاحة ، وحاصله أن تورد ألفاظا في الكلام إذا أسقطت بقي على حاله في الإفادة ، وأكثر ما يكون في الأشعار فإنها تورد من أجل الاستقامة في الوزن ، كلفظ « لعمري » في قول أبى تمام : أقرّوا لعمري بحكم السيوف * وكانت أحقّ بفصل القضا ونحو لفظ « الغداة » في قوله أيضا « 1 » : إذا أنا لم ألم عثرات دهر * بليت به الغداة فمن ألوم فقوله : لعمري ، والغداة ، فصلان زائدان لا حاجة إليهما إلا من أجل استقامة الوزن ، وصحته ، وكلفظ « يا صاحبي » في قول البحتري ما أحسن الأيام إلّا أنّها * يا صاحبي إذا مضت لم ترجع فقوله : « يا صاحبي » لغو لا فائدة تحته سوى ما ذكرناه من تحسين لفظ البيت وتجويده ، وهكذا القول فيما أشبهه ، وهو خلاف ما عليه كلام البلغاء فإن من شأن الفصاحة أن تكون الألفاظ مطابقة لمعانيها المقصودة لها من غير زيادة فيها ولا نقصان ، وإذ قد فرغنا عما نريده من ذكر ديباجة الإيجاز فلنرجع إلى مقاصده .

--> ( 1 ) البيت لأبى تمام في ديوانه / 424 ، وقد قاله ضمن قصيدة يصف فيها مطلبه ويشكو الدهر بنيسابور ، ورواية « أصبت به » .